توضح الدكتورة نادية حلمي في هذا التحليل أبعاد الموقف الصيني من المبادرة الأمريكية الخاصة بتشكيل “المجلس الدولي للسلام لإدارة قطاع غزة”، والتي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع 2026. تعكس بكين في ردها مزيجًا من التحفظ السياسي والتمسك بالمبادئ القانونية الدولية.

 

أعلنت الصين رسميًا في أواخر يناير 2026 رفضها الانضمام إلى ما يسمى “مجلس السلام” الذي اقترحته واشنطن كإطار دولي جديد لإدارة غزة خارج الآليات التقليدية للأمم المتحدة. أكدت بكين أنها تلقت دعوة رسمية للانضمام، لكنها شددت على ضرورة توضيح التفاصيل الهيكلية والقانونية للمبادرة قبل أي التزام.

 

الدفاع عن مركزية الأمم المتحدة

 

ترتكز أسباب الرفض الصيني على اعتبارات استراتيجية وقانونية. ترى بكين أن المجلس المقترح يسعى إلى تهميش دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو ما يتعارض مع رؤيتها لنظام دولي قائم على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. تؤكد الصين أن أي ترتيبات مستقبلية لغزة يجب أن تجري تحت مظلة مجلس الأمن، وبمشاركة واسعة تشمل الأطراف الفلسطينية والدول العربية.

 

انتقدت الصين كذلك غياب التمثيل الفلسطيني الواضح في هيكل المجلس، واعتبرت أن أي تصور لمستقبل غزة يجب أن يقوم على مبدأ “الفلسطينيون يحكمون فلسطين”. رفضت بكين فكرة إنشاء أطر “مغلقة” أو أحادية قد تستبعد الأمم المتحدة أو تفرض وصاية خارجية على القطاع.

 

أبدت الصين تحفظًا على معايير العضوية المالية التي تصل إلى مليار دولار للعضوية الدائمة، معتبرة أن هذا الشرط يحول عملية السلام إلى صفقة مالية بدلاً من أن يستند إلى الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني.

 

مخاوف أمنية وشكوك في الأهداف الأمريكية

 

أعرب ممثل الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، فو كونج، عن قلقه من غموض مشروع القرار الخاص بالمجلس، خصوصًا فيما يتعلق بهيكله واختصاصاته وطبيعة “قوة الاستقرار الدولية” المقترحة في غزة. رأت بكين أن النص يفتقر إلى تفاصيل جوهرية، ما يثير تساؤلات حول أهدافه الحقيقية.

 

تشير تقديرات صينية إلى أن المجلس قد يُستخدم غطاءً لتحركات أمنية أو عسكرية، مثل استهداف بنية تحتية أو إنشاء ترتيبات أمنية طويلة الأمد في محيط غزة. تنظر الصين إلى هذه السيناريوهات باعتبارها تدخلًا عسكريًا خارجيًا يحمل مخاطر تصعيدية.

 

تعتبر بكين المبادرة جزءًا من نهج أمريكي أحادي في إدارة الأزمات الدولية، وهو ما يتعارض مع “مبادرة الحوكمة العالمية” التي يروج لها الرئيس شي جين بينغ، والتي تقوم على التعددية وتوازن القوى داخل المؤسسات الدولية.

 

الرؤية الصينية البديلة لإدارة غزة

 

تطرح الصين بديلًا يقوم على عدة ركائز. أولًا، الالتزام الكامل بقرارات مجلس الأمن كأساس وحيد للشرعية الدولية في غزة. ثانيًا، تأكيد مبدأ الحكم الذاتي الفلسطيني ورفض أي خطط للتهجير القسري أو الوصاية الخارجية. ثالثًا، الدعوة إلى مؤتمر دولي شامل للسلام برعاية الأمم المتحدة، يهدف إلى تنفيذ حل الدولتين ضمن جدول زمني واضح.

 

تؤيد الصين المبادرات العربية، لا سيما تلك التي تقترحها مصر ودول عربية أخرى بشأن إعادة الإعمار وإدارة ما بعد الحرب، معتبرة أنها تنسجم مع تطلعات الفلسطينيين. كما تتمسك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية كحل نهائي للصراع.

 

ترفض بكين كذلك البدائل البحرية المؤقتة التي طرحتها واشنطن لإدخال المساعدات، مثل الأرصفة العائمة، وتفضل تعزيز الممرات البرية باعتبارها أكثر اتساقًا مع الالتزامات الإنسانية الدولية.

 

في المجمل، ترى الصين نفسها قوة “استقرار إيجابي” تسعى إلى إنهاء الصراع عبر الحوار الشامل لا عبر ترتيبات موازية للمؤسسات الدولية. لا ترفض بكين مبدأ الحوار حول غزة، لكنها تشترط أن يكون أي مجلس أو إطار دولي داعمًا للشرعية الأممية لا بديلًا عنها، وأن يحفظ السيادة الفلسطينية الكاملة على القطاع.


https://moderndiplomacy.eu/2026/02/26/beijing-unveils-competing-vision-for-gaza-after-rejecting-us-led-initiative/